إعلان

ظلم بين للنساء بمسجد الشربيني بسبب الأوقاف

د. أمــل الجمل

ظلم بين للنساء بمسجد الشربيني بسبب الأوقاف

د. أمل الجمل
07:00 م الثلاثاء 18 مارس 2025

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"يا أخواتي تـوجـد سيدة سبعينية لا تجـد لـها مـكانـاً للصلاة بينكم فـي الـدور الأرضـي، وتـبكي بحرقة لأنـها

غـير قـادرة على صعود درجـات السـلم إلـي مـصلية الـنساء بـالـدور الـعلوي.. أرجـوكـم يـا أخواتي أن تفسح

إحداكن لها مكانا".. هـكذا ارتفع الميكروفون حـامـلاً صـوت الشيخ محـمد إمـام مسجـد الشـربـيني - مسجـد أهـلي بمدينة العبور- قُـبيل إقـامة صلاة الـعشاء فـي واحـدة مـن ليال رمضان المُـعظم. كـان نـداء الـشيخ محـمد مُـلحاً راجـياً عــطوفــاً كــأن والدته هي التي تبكي. انتفضت اثنتان مــن النساء وخرجــن يــبحثن عــن هــذه المــرأة لتطييب خاطرها ودعوتها للدخول والصلاة.

هـذه القاعة بالدور الأرضي هي فـي الأساس زاوية في مدخل المسجد يقرأ فـيها الرجال القـرآن عقب

إنتهاء صــلاة الفجــر.. ونــظراً لأن هناك عدداً من النساء لا يستطعن صــعود درجــات الســلم، بســبب كبر

السن أو إصابتهن فـي الظهر أو الركب، فـتكرم الـقائمون على المسجـد بـوضـع اثـنتين مـن السـتائـر الـثقيلة عـلى

هـذه الـزاويـة لتسـتر الـنساء أثـناء صـلـوات العشاء والتراويح والفجـر، مـثلما وضعوا عـدداً مـن الـكراسي لـذوي الاحتياجات. مـع الـوقـت أحـيـانـا كـانـت تـأتـي ابـنـة شـابة طالبة في الثانوية العامة بصحبة والدتها لتمنحها اطمئناناً وسلاماً نفسياً، أو قريبة بصحبة إحدى هؤلاء النساء المسنات.

فجأة مع فجـر اليـوم الثامن عشـر مـن رمـضان ذهـبت الـنسوة ووجـدن السـتائـر مـنزوعـة، وأُخـبرن بـأنـه غير

مسموح لهن بـالـدخـول، وعـلى مَن تٌـريـد الـصلاة أن تصعد إلي المصلى. مع العلم أنه لا يـوجـد مصعد لكبار

السن أو ذوي الاحتياجات.

إحـدى هؤلاء النسوة رغـم عـلامـات الوهن كـانـت تـحاول الـوقـف لتتابع الـصلاة مـع الإمـام، وحين تجـلس أثـناء الـسجود تـقبض بـتلابـيب عـباءتـي خـوفـاً مـن السقوط. اعـتذرت المـرأة لـي، فـأشـفقت عـليها، لـكنها فـي الـحقيقة لمسـت قـلبي بـتصرفـها، لأنـها كـانـت تُـثابـر لأجـل الـوقـوف، وتصر على تحمل المشقة والمخاطرة لأجـل ثـواب الصلاة.

إنها امرأة وحيدة، تأتي لتسـتأنـس بالصلاة فـي المسجـد، قـالـت لـنا هامسة: عـندمـا أدخـل الـبيت أشـعر

بالخوف. هــنا أحتمي ببيت الله وأستعيد السكينة في هذه الأيام الفضيلة. امرأة أخرى سمعتها قــبل

يومـين تهمس فــي حزن: »اشــتقنا للصلاة وقوفـاً.. ربنا لا يكتب لأحـد الصلاة جلوساً.« هذه عينة من

النساء اللاتي حرمن من دخول المسجد مؤخراً بعد إسقاط الستائر.

سألن عـن السبـب وقيل لهن: لقد زار المسجـد إحـدى الـشخصيات مـن وزارة الأوقـاف وساءه مشهـد دخـول

الـنساء و الـرجـال إلـى المسجـد مـن بـاب واحـد، فـأصـدر قـراره بحرمان ومنع النساء من الدخول والصلاة بـ تلك

الزاوية. مـع العلم أن جـميع الـنساء يـرتـديـن عباءات فـضفاضـة، وزيهن مـحتشم جـداً، كـما أن أغلبهن يذهـبن

إلى المسجد بصحبة ذويهن، فكثير من النساء تكن بصحبة والدها أو زوجها أو ابنها أو أخيها.

وتأكـيداً عـلى أن هـذا الأمـر لـيس قـضية فـرديـة، أو حـالـة خـاصـة، فمن تجربتي ومشاهداتي أؤكد أن هـناك

مساجد أخرى يٌطبق فيها نفس الـوضع، حيث يكون مصلى النساء بالدور العلوي من دون مصعد

كهربائي، كما أن تلك المساحة المخصصة للنساء تكون غالباً ضيقة جدا.

قبل أسبوعين صعدت إلى مصلى النساء بأحد المساجد. كان الدرج عاليا بـشكل مـزعـج لأي إنسـان مُسن

أو مـريـض. يومها خرجـت قـبل صلاة الشفع والوتر فـشاهـدت امرأة تصلي أسفل السلم. كانـت تقف

مباشرة أمام دورة المياه لتواصل صلاتها على تلك الرائحة القادمة من خلفها.

فهـل فـي ذلـك مـن الـرحـمة والـرفـق بـالـنساء فـي شـيء، كـيف للمرء أن يصلي فـي خشوع بهذا المشهـد؟ لمـاذا

لا نرحم ضعف بعض النساء ومرضهن ونفكر فيهن كما نفكر في الرجال؟

والسؤال الذي يطرح نفسه: لمـاذا هـذا التشـدد؟ لمـاذا التعسف فـي الأحكام ضـد المـرأة؟ لمـاذا لـم يـتم الـتفكير

فـي حـل بـديـل؟ مـثلاً : كـان يـمكن تـعـديـل وضـع هـذه الستارة لـتفصل بـاب الـنساء عـن بـاب دخـول الـرجـال

يـنتهي الحـرج، فـلا تٌحـرم نساء تجاوزن سن اليأس بسنوات مـن الـصلاة فـقط لأنهن يدخلن مـن نفس الباب

الذي يدخل منه الرجال.

المدهش أن المسؤول مـن وزارة الأوقـاف اتخذ قـراراً أصاب بـضرره نـساء تجاوز أغلبهن الستين أو الخـمسين مـن الـعمر، المـدهـش أيـضاً أننا فـي بـيت الله الحـرام، نطوف حول الكعبة رجال ونساء. فلماذا هذا التشدد فـي هـذا الشهر الكريم الذي هو شفاء للأرواح والـنفوس،

ألا يكفي ما يمر به الناس من ظروف صعبة، من مخاوف وتهديدات بسبب الأوضاع الدولية والإقليمية؟

لقـد شهـدت المـرأة طفرة فـي عهـد الرئيـس عبد الفتاح الـسيسي، على مستويات عدة، فقد كان حريصاً على

تمكين المرأة، لـيس فقـط اجـتماعـياً، لكن أيـضاً المساواة وعدم التمييز بين الجنسـين، مـع توليها المناصب

القيادية في الدولة، وتعزيز دورها القيادي، فتضاعف عددهن فــي السـلطة القضائية، وشهدت نسـبة

المشروعات الصغيرة الموجهة للمرأة تزايدًا كبيرً.

والأهـم مـن كـل مـا سـبق، الآثـار الإيـجابـية عـلى المـرأة جـراء دعـوة الـرئـيس للتجـديـد فـي الخـطاب الـديـني الـذي يـتعامـل مـع الـواقـع والـتطور الإنـسانـي. فـأيـن مـا حـدث فـي مسجـد الشـربـيني مـن دعـوة سـيادة الـرئـيس؟ إن حــرمــان الــنساء مــن الـصلاة بداخل المسجــد ونزع الستائر هو أمر في جوهره مناهض للتجــديــد فــي الخطاب الديني، بل إنه يتماشى مع الرؤية المحافظة تجاه حقوق المرأة.

إعلان

إعلان